تسويق

زياد قاسم: الاتصال المؤسسي لم يعد داعماً للقرار… بل شريكاً في صناعته

زياد قاسم خبير الاتصال المؤسسي يتحدث عن دور الإعلام وصناعة القرار

في عالم يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتشكل فيه السمعة خلال لحظات، لم يعد الاتصال المؤسسي مجرد وظيفة داعمة، بل أصبح أحد العوامل الحاسمة في توجيه القرارات وبناء القيمة داخل المؤسسات. ومع تعقّد المشهد الإعلامي وتزايد المنافسة الرقمية، باتت القدرة على قراءة السياق، وفهم الروايات، وصياغة رسائل مؤثرة، من أهم أدوات النجاح في بيئة الأعمال اليوم.

في هذا الإطار، نلتقي مع زياد قاسم، خبير الاتصال المؤسسي واستراتيجيات الإعلام والمحتوى، والمدرب المعتمد، الذي يمتلك خبرة واسعة في العلاقات العامة، والاتصال التسويقي، وتطوير الأعمال. في هذا الحوار، يشاركنا رؤيته حول تحولات الاتصال المؤسسي، ودور السرد القصصي، وتأثير التحول الرقمي، إلى جانب محطات من مسيرته المهنية والعقلية التي شكّلت طريقه في هذا المجال.

كيف ترى تطوّر دور الاتصال المؤسسي في دعم صناعة القرار داخل المؤسسات؟

لم يعد الاتصال المؤسسي وظيفة تكميلية أو تجميلية؛ بل أصبح أحد أعمدة صناعة القرار. في بيئة تتشكل فيها السمعة خلال دقائق، وتؤثر فيها الرواية على القيمة السوقية، لا يمكن اتخاذ قرار استراتيجي دون قراءة اتصالية عميقة.

الاتصال اليوم هو “عدسة تفسير الواقع” داخل المؤسسة—من خلاله نفهم كيف يُنظر إلينا، وكيف يمكن التأثير في هذا الإدراك. المؤسسات التي لا تمنح الاتصال هذا الدور، غالبًا ما تدير أعمالها بعين واحدة.

كيف يمكن للمؤسسات تحقيق التوازن بين بناء صورة ذهنية قوية وتحقيق نتائج ملموسة مثل زيادة الإيرادات؟

الفصل بين الصورة الذهنية والإيرادات هو خطأ مفاهيمي من الأساس. العلامات التجارية التي تفهم الاتصال بشكل ناضج تدرك أن السمعة ليست هدفًا بحد ذاته، بل أصل اقتصادي.

القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول الثقة إلى سلوك: قرار شراء، توصية، أو ولاء. هنا يصبح الاتصال ليس فقط داعمًا للإيرادات، بل أحد محركاتها الأساسية.

في ظل تشبّع المحتوى وتزايد المنافسة الرقمية، ما الذي يصنع الفارق اليوم بين محتوى عادي ومحتوى مؤثر؟

نحن لا نعيش عصر نقص محتوى، بل عصر فائض ضجيج. الفارق اليوم ليس في من يتكلم أكثر، بل في من يُصغي أفضل.

المحتوى المؤثر هو الذي ينطلق من فهم عميق للسياق—سياق الجمهور، وسياق اللحظة، وسياق المنصة. الجرأة الفكرية، الصدق، والقدرة على تبسيط الأفكار المعقدة، هي ما يصنع التأثير الحقيقي.

كيف أثّر التحول الرقمي على طبيعة العلاقات العامة، وهل ما زالت الأساليب التقليدية فعّالة؟

التحول الرقمي لم يغيّر الأدوات فقط، بل أعاد تعريف وظيفة العلاقات العامة بالكامل. لم نعد نتحدث عن إدارة رسائل، بل عن إدارة تدفق مستمر من المعلومات والروايات في بيئة شديدة التعقيد والتسارع.

أحد أبرز تجليات هذا التحول هو الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق، وهنا يأتي دور أدوات الرصد والتحليل الإعلامي المتقدم، التي تمكّن المؤسسات من فهم اتجاهات التغطية، وقياس النبرة، والتقاط الإشارات المبكرة.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في ثنائية رقمي وتقليدي.

الفعالية الحقيقية تكمن في التكامل الذكي—حيث قد تكون قصة واحدة في المكان الصحيح أكثر تأثيراً من عشرات الحملات.

كيف يمكن توظيف السرد القصصي بشكل استراتيجي لتعزيز حضور العلامة التجارية؟

السرد القصصي ليس ترفاً إبداعياً، بل أداة استراتيجية لإعادة تشكيل الإدراك. القصة الفعالة ليست تلك التي تُحكى بشكل جميل فقط، بل التي تعكس حقيقة يمكن للجمهور أن يراها ويؤمن بها.

في عالم مشبع بالرسائل، القصة الصادقة والمتسقة هي ما يبقى. العلامات الناجحة لا تخترع قصصها، بل تكتشفها داخل تجربتها الحقيقية.

خلف هذه الرؤية المهنية العميقة، تقف رحلة طويلة من التجارب المتنوعة التي شكّلت فهم زياد قاسم لطبيعة الاتصال والإعلام. في الجزء التالي، نقترب أكثر من محطاته المهنية، وتأثير اهتماماته الشخصية على أسلوبه في التفكير والسرد.

ما المحطة التي تعتبرها نقطة تحوّل في مسيرتك المهنية؟

أفضل النظر إلى مسيرتي كسلسلة من التحولات، لا محطة واحدة. تجربتي في تأسيس مشاريع في مجال العلاقات العامة والتكنولوجيا المالية كانت مرحلة مهمة على مستوى التعلّم—رغم أن نتائجها المادية كانت محدودة، إلا أنها منحتني فهمًا عميقًا لديناميكيات السوق، والتحديات التشغيلية، والتعامل مع الجهات التنظيمية، خاصة في القطاعات الناشئة.

لاحقًا، عملي في المشاريع التنموية مع الأمم المتحدة والجهات الدولية المانحة أضاف بُعدًا مختلفًا، حيث انتقلت من الاتصال التجاري إلى الاتصال من أجل التغيير السلوكي، وهو مجال يتطلب فهمًا أعمق للإنسان قبل السوق.

أما تجربتي في MediaObserver، فكانت محطة محورية في مسيرتي المهنية، إذ شكّلت مدرسة حقيقية في التحليل الإعلامي وقراءة المشهد الإخباري بعمق، وفهم كيفية تشكّل الروايات وتأثيرها على الصورة الذهنية وصناعة القرار. كما أن العمل ضمن بيئة تمتلك رؤية واضحة وطموحًا إقليميًا ساهم بشكل كبير في تطوير فهمي للإدارة وبناء المؤسسات.

كيف ساهم شغفك بالتاريخ والكتابة في تشكيل أسلوبك؟

التاريخ يعلّمنا أن ما يبقى ليس الحدث، بل الرواية التي تُكتب عنه. هذا الإدراك أثّر بشكل عميق في طريقة تعاملي مع الاتصال.

أما الكتابة، فهي ليست مجرد مهارة، بل أداة للتفكير—وسيلة لتحويل التعقيد إلى وضوح، والأفكار إلى رسائل مؤثرة.

ما المهارة أو العقلية الأهم في نجاحك واستمراريتك؟

الفضول المنهجي. القدرة على طرح الأسئلة، والتشكيك في المسلمات، وفهم ما وراء الظواهر.

في مجال سريع التغير، من يكتفي بما يعرفه سيتجاوزه الواقع. الاستمرارية تتطلب تعلماً دائماً ومرونة في التفكير.

لو عدت إلى بداية مسيرتك المهنية، ما النصيحة التي كنت ستقدمها لنفسك؟

لا تستعجل النتائج، وركّز على بناء العمق. النجاح الحقيقي لا يأتي من الظهور السريع، بل من تراكم الفهم والخبرة.

تعكس تجربة زياد قاسم فهماً عميقاً لتحولات الاتصال المؤسسي في عصر تتداخل فيه التكنولوجيا مع السلوك الإنساني بشكل غير مسبوق. فبين البيانات والرواية، وبين السرعة والدقة، يبرز دور الاتصال كأداة استراتيجية لا غنى عنها في بناء المؤسسات وصناعة تأثيرها.

وفي وقت تتغير فيه الأدوات باستمرار، يبقى العامل الحاسم هو القدرة على الفهم—فهم الجمهور، والسياق، والقصة التي تستحق أن تُروى.

أخبار أومنيس

مقترحات