ليست الموازنات الضخمة، ولا البنية التحتية المتطورة، ولا حتى الإنجازات الاقتصادية وحدها، هي ما يمنح الحكومات قوتها الحقيقية.
إن أعظم ما تمتلكه أي حكومة هو ثقة الناس بها، فالثقة ليست شعورًا عابرًا، ولا مكسبًا سياسيًا مؤقتًا، بل هي رأس المال الذي تعتمد عليه الحكومات في تنفيذ سياساتها، وإدارة أزماتها، وتحقيق رؤيتها للمستقبل، فلقد تنجح حكومة في إطلاق مشروع تنموي كبير، أو تنفيذ إصلاح اقتصادي جريء، أو تطوير خدماتها العامة، لكن كل ذلك قد يفقد جزءًا كبيرًا من أثره إذا لم يكن المجتمع واثقًا من أهداف تلك القرارات، لهذا السبب، لم تعد الحكومات الحديثة تنظر إلى الثقة باعتبارها نتيجة للنجاح، بل أصبحت تعتبرها شرطًا أساسيًا لتحقيق النجاح.
فعندما يثق المواطن بحكومته، يصبح أكثر استعدادًا لتقبّل القرارات الصعبة، وأكثر تفهمًا للإصلاحات التي قد تتطلب وقتًا حتى تؤتي ثمارها، وأكثر استعدادًا للمشاركة في تحقيق الأهداف الوطنية، أما عندما تتراجع الثقة، فإن أكثر القرارات صوابًا قد تواجه الرفض، ليس بسبب مضمونها، وإنما بسبب غياب القناعة بمن أصدرها.
لقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن الثقة ليست قيمة معنوية فحسب، بل أصل استراتيجي ينعكس مباشرة على قدرة الحكومات على الإنجاز. فعندما واجهت بعض الحكومات أزمات صحية أو اقتصادية أو كوارث طبيعية، لم يكن نجاحها مرتبطًا فقط بامتلاك الموارد أو سرعة اتخاذ القرار، بل بمدى ثقة المواطنين في مؤسساتهم. ففي البيئات التي كانت الثقة فيها مرتفعة، استجاب المواطنون للإجراءات الحكومية بدرجة أكبر، وارتفعت مستويات الالتزام، وتراجعت الحاجة إلى فرض القيود الصارمة، وعلى النقيض، واجهت حكومات أخرى صعوبات كبيرة في تنفيذ سياسات مشابهة، ليس لأن قراراتها كانت خاطئة، بل لأن فجوة الثقة بينها وبين المجتمع كانت أوسع من أن تجسرها البيانات الرسمية أو الحملات الإعلامية.
ولعل تجربة جمهورية ليبيريا خلال أزمة فيروس الإيبولا تُعد من أبرز الأمثلة على ذلك. ففي خضم أزمة صحية هددت الدولة والمجتمع، أدركت الحكومة أن مواجهة الفيروس لا تعتمد على الإمكانات الطبية وحدها، بل على قدرتها على بناء الثقة مع المواطنين. فكل رسالة كانت تحتاج إلى المصداقية، وكل إجراء كان يحتاج إلى قناعة مجتمعية، لأن نجاح الاستجابة الصحية كان مرهونًا بمدى التزام الناس بالإرشادات الرسمية. وقد أكدت تلك التجربة أن الاتصال الحكومي الفعّال لم يكن عنصرًا مساعدًا في إدارة الأزمة، بل كان أحد أهم أسباب نجاحها، ومن هنا، يصبح الاتصال الحكومي أحد أهم أدوات بناء هذه الثقة، فوظيفته ليست الدفاع عن القرارات، ولا تبريرها، ولا تسويقها، بل بناء علاقة مستمرة تقوم على الصدق، والوضوح، والشفافية، والإصغاء، والاحترام المتبادل.
إن الحكومات التي تتواصل فقط عند إعلان القرارات، أو عند وقوع الأزمات، تخسر فرصة ثمينة لبناء رصيد من الثقة تحتاج إليه في الأوقات الصعبة، فالثقة لا تُبنى في لحظة أزمة، بل تُبنى عندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن المعلومة تصل إليه بوضوح، وأن المؤسسة الحكومية لا تخفي الحقائق، ولا تتحدث إليه من برجٍ عالٍ، بل تتحاور معه باعتباره شريكًا في صناعة المستقبل.
إن بناء الثقة ليس مشروعًا إعلاميًا، ولا حملة اتصالية مؤقتة، بل هو ثقافة مؤسسية تبدأ من طريقة صناعة القرار، وتمتد إلى أسلوب التواصل مع المجتمع. فكل رسالة صادقة، وكل موقف شفاف، وكل التزام بالوضوح، يضيف لبنة جديدة في بناء هذا الرصيد الذي تحتاج إليه الحكومات قبل أي أزمة، وأثناءها، وبعدها.
وفي عالم تتسارع فيه الأخبار، وتنتشر فيه المعلومات خلال ثوانٍ، لم يعد السؤال هو: كيف نوصل الرسالة؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف نبني ثقة تجعل الناس يصدقون الرسالة قبل أن تصل إليهم؟ لأن الثقة ليست نتيجة للاتصال الحكومي… بل هي الغاية التي وُجد الاتصال الحكومي من أجلها.
بقلم أسامة سمرة
خبير استراتيجي في الاتصال الحكومي
