الثقة في زمن الأزمات… ماذا تعلمنا من تجربة نيوزيلندا؟
كيف نحافظ على ثقة المواطنين وهم يواجهون المجهول؟
عندما اجتاح فيروس كوفيد-19 العالم مطلع عام 2020، لم تواجه الحكومات أزمة صحية فحسب، بل واجهت أزمة ثقة غير مسبوقة. ففي ظل الخوف، والغموض، والكم الهائل من المعلومات المتضاربة، لم يكن السؤال المطروح هو: كيف نحتوي الفيروس؟ بل أصبح: كيف نحافظ على ثقة المواطنين وهم يواجهون المجهول؟
تجربة حكومة نيوزيلندا
في تلك اللحظة، برزت نيوزيلندا كواحدة من أبرز النماذج العالمية التي أثبتت أن الاتصال الحكومي ليس نشاطًا إعلاميًا يرافق القرارات، بل عنصرًا أساسيًا في نجاحها، فقد أدركت الحكومة النيوزيلندية أن الالتزام المجتمعي لا يُفرض بالقوانين وحدها، وإنما يُبنى عندما يثق المواطن بأن حكومته تتحدث إليه بصدق، وتحترم حقه في المعرفة، وتعامله بوصفه شريكًا في مواجهة الأزمة، وقد استندت التجربة النيوزيلندية إلى أربعة مبادئ أساسية شكّلت نموذجًا عالميًا في الاتصال الحكومي.
الشفافية قبل الطمأنة
لم تحاول الحكومة تجميل الواقع أو إخفاء التحديات، بل كانت تعرض المعلومات كما هي، بما في ذلك ما كانت تعرفه، وما لم تكن قد توصلت إليه بعد. وقد عزز هذا النهج من مصداقية الرسائل الحكومية، ورسخ قناعة لدى المواطنين بأن الحقيقة لن تُخفى عنهم مهما كانت صعبة.
صوت حكومي واحد
رغم تعدد المؤسسات الحكومية، جاءت الرسائل منسجمة ومتناسقة، فلم يكن هناك تضارب في التصريحات أو اختلاف في الأولويات. وقد أسهم هذا الاتساق في الحد من الشائعات، وساعد المواطنين على فهم الإجراءات والالتزام بها بثقة أكبر.
الإنسانية في الخطاب
ما ميّز التجربة النيوزيلندية لم يكن المعلومات وحدها، بل الطريقة التي قُدمت بها. فقد اتسم الخطاب الحكومي بالتعاطف، والاحترام، والاعتراف بمشاعر القلق والخوف التي يعيشها الناس. ولم يكن المواطن مجرد متلقٍ للتعليمات، بل إنسانًا يحتاج إلى الطمأنينة بقدر حاجته إلى المعلومة.
ولعل رئيسة الوزراء آنذاك، جاسيندا أرديرن، قدمت نموذجًا في هذا الجانب، لكن نجاح التجربة لم يكن نتاج حضورها الشخصي وحده، بل نتيجة منظومة اتصال حكومي مؤسسية دعمت الرسائل الرسمية، ووحدت الخطاب بين مختلف أجهزة الدولة، ورسخت ثقافة التواصل الصادق مع المجتمع.
التواصل المستمر
لم تقتصر الحكومة على المؤتمرات الصحفية اليومية، بل استخدمت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى المواطنين والإجابة عن أسئلتهم وتصحيح المعلومات المضللة أولًا بأول، مما جعل الاتصال الحكومي عملية مستمرة، لا تقتصر على لحظة إعلان القرار.
لقد أثبتت التجربة النيوزيلندية أن نجاح الحكومات في إدارة الأزمات لا يعتمد فقط على كفاءة الأنظمة الصحية أو قوة التشريعات، بل يعتمد أيضًا على جودة الاتصال الحكومي. فحين تكون الرسالة واضحة، والمتحدث موثوقًا، والمعلومات متاحة، تتحول الثقة إلى قوة مجتمعية تساعد الدولة على تجاوز أصعب الظروف.
الاتصال الحكومي ليس وسيلة إقناع
وهنا تكمن الرسالة الأهم، فالاتصال الحكومي ليس وسيلة لإقناع الناس بما تريده الحكومة، بل وسيلة لتمكينهم من فهم الواقع، واتخاذ مواقف واعية، والمشاركة في مواجهة التحديات. إنه أداة لخدمة المجتمع قبل أن يكون وسيلة لخدمة المؤسسة الحكومية.
ولذلك، فإن نجاح نيوزيلندا لم يكن درسًا في إدارة الجائحة فحسب، بل كان درسًا في كيفية بناء الثقة قبل الأزمات، والمحافظة عليها أثناءها، وتعزيزها بعدها.
