تشهد المملكة العربية السعودية حراكاً اقتصادياً وصناعياً غير مسبوق، مدفوعاً بمستهدفات رؤية 2030 التي وضعت المحتوى المحلي وتمكين الشركات الوطنية في مقدمة أولوياتها. وفي قلب هذا التحول، تبرز قصص نجاح لشركات وطنية استطاعت مواكبة هذا النمو المتسارع عبر تقديم حلول متكاملة تجمع بين عراقة التصنيع ومرونة الخدمات التشغيلية.
في هذا السياق، أجرت منصة أخبار أومنيس مقابلة خاصة مع رجل الأعمال الأستاذ عبدالله عابد، الرئيس التنفيذي لشركة SPS والمدير العام لمصنع الخليج لتصنيع منتجات الطباعة (GEPCOM)، لتسليط الضوء على رحلته المهنية الممتدة لقرابة العشرين عاماً، ومناقشة واقع ومستقبل قطاعات الطباعة، التغليف، والخدمات اللوجستية في المملكة، بالإضافة إلى سر استدامة الشركات في سوق يفيض بالفرص والمنافسة.
وفيما يلي نص المقابلة:
بدايةً، كيف تصف رحلتك المهنية في تأسيس وإدارة أعمال متخصصة تخدم قطاع الشركات في المملكة العربية السعودية؟
رحلتي المهنية بدأت من مصنع الخليج لتصنيع منتجات الطباعة GEPCOM، الذي أسسه الوالد – رحمة الله عليه. بدأت العمل في هذا المجال منذ حوالي 20 سنة، وتعلمت من داخل المصنع معنى الالتزام، الجودة، وبناء الثقة مع العملاء والموردين. GEPCOMكان بالنسبة لي مدرسة حقيقية، ومن خلاله فهمت أن السوق لا يُبنى فقط على المنتج، بل على السمعة، الاستمرارية، والعلاقات طويلة المدى. ومع تطور احتياجات العملاء، جاءت فكرة تأسيس SPS ككيان مستقل ومنفصل، يقدم Services, Products, Solutions لعملائنا الحاليين والمستقبليين، من خلال حلول أوسع تشمل الخدمات التشغيلية، إدارة المشاريع، المنتجات الدعائية، التغليف، التوريد، والخدمات اللوجستية.
أعتقد أن تأسيس شركة قد يبدو سهلاً من الخارج، لكن التحدي الحقيقي هو أن تستمر، وأن تبقى واقفاً رغم تغيرات السوق والظروف التي تمر بها المنطقة. اليوم المنافسة عالية والبدائل كثيرة، لذلك أصبح كسب ثقة العميل والمورد والمحافظة عليها من أصعب وأهم عناصر النجاح.
بالنسبة لي، الثقة هي رأس المال الحقيقي في الأعمال. قد تكسب مشروعاً مرة بالسعر أو العرض، لكن ولاء العميل لا يُبنى إلا بالالتزام، الجودة، الوضوح، والاستمرارية.
ما الذي يميز نموذج العمل الذي تقدمه شركتا SPS وGEPCOM داخل السوق السعودي؟
نحن لا ننظر لأنفسنا كمجرد مزود خدمات، بل كشريك أعمال يساعد العملاء على تنفيذ مشاريعهم وتشغيل احتياجاتهم بكفاءة عالية. من خلال SPS وGEPCOM قمنا ببناء نموذج يعتمد على التكامل بين التصنيع المحلي، إدارة المشاريع، وسرعة الاستجابة، وهو ما تحتاجه اليوم الشركات الكبرى في المملكة.
السوق السعودي أصبح أكثر تطوراً وأكثر طلباً للحلول المتكاملة، خاصة مع ارتفاع مستوى المنافسة وتوسع الشركات والمؤسسات في مختلف المناطق. لذلك أصبح العميل يبحث عن جهة واحدة قادرة على إدارة عدة خدمات في وقت واحد مع المحافظة على الجودة والالتزام.
نحن نركز بشكل كبير على فهم طبيعة كل قطاع على حدة، سواء البنوك أو الاتصالات أو التجزئة أو الجهات الحكومية، لأن لكل قطاع متطلبات تشغيلية مختلفة. كما نؤمن بأن نجاح أي مشروع يعتمد على سرعة التنفيذ وجودة التفاصيل والمتابعة المستمرة، وليس فقط على تقديم المنتج النهائي.
اليوم المملكة تشهد نهضة صناعية وخدمية كبيرة، والشركات المحلية لديها فرصة حقيقية لإثبات قدرتها على المنافسة، خصوصاً مع توجهات دعم المحتوى المحلي والصناعة الوطنية.
تكامل الخدمات.. رؤية جديدة تفرضها التحولات الاقتصادية بالمملكة
كيف ترون مستقبل قطاع الطباعة والتغليف والخدمات الدعائية في المملكة خلال السنوات المقبلة؟
أعتقد أن هذه القطاعات مقبلة على مرحلة نمو كبيرة جداً في المملكة، خاصة مع التوسع المستمر في المشاريع الحكومية والخاصة، وارتفاع حجم الفعاليات والمعارض والمؤتمرات، إضافة إلى النمو الكبير في قطاعات التجزئة والسياحة والترفيه.
في السابق كانت بعض الشركات تعتمد بشكل أساسي على الاستيراد، لكن اليوم هناك توجه واضح نحو التصنيع المحلي، وهذا خلق فرصاً كبيرة للمصانع والشركات السعودية لتقديم منتجات وخدمات بجودة عالية وسرعة أكبر في التوريد والتنفيذ.
كما أن السوق أصبح أكثر وعياً بأهمية الهوية البصرية وتجربة العميل، وهذا انعكس بشكل مباشر على الطلب المتزايد على خدمات الطباعة الاحترافية، التغليف المبتكر، والهدايا الدعائية ذات الجودة العالية.
أيضاً لا يمكن تجاهل تأثير رؤية السعودية 2030 التي ساهمت في تحفيز قطاعات متعددة، مما خلق حركة اقتصادية واسعة انعكست إيجابياً على مختلف الأنشطة المرتبطة بالخدمات التشغيلية والتصنيع.
تعملون مع قطاعات حيوية مثل البنوك والاتصالات والتجزئة، ما أبرز التحديات التي تواجه هذه القطاعات من جانب الخدمات التشغيلية؟
هذه القطاعات تعمل ضمن بيئات سريعة ومتغيرة، وبالتالي تحتاج إلى شركاء يتمتعون بمرونة عالية وقدرة على التنفيذ السريع دون التأثير على الجودة. من أبرز التحديات التي تواجه هذه القطاعات اليوم هي إدارة العمليات عبر فروع متعددة، وتوحيد جودة التنفيذ، والقدرة على الالتزام بالمواعيد النهائية الدقيقة.
في السوق السعودي تحديداً، حجم التوسع الذي تشهده الشركات الكبرى خلق ضغطاً متزايداً على مزودي الخدمات، وأصبح مطلوباً منهم أن يكونوا أكثر جاهزية واحترافية من أي وقت مضى.
نحن نرى أن التحديات في الحقيقة تمثل فرصاً للنمو والتطوير. لذلك استثمرنا بشكل كبير في بناء فرق عمل متخصصة وتطوير أنظمة متابعة وإدارة مشاريع تساعدنا على الاستجابة السريعة وتقديم حلول عملية وفعالة.
كما أن التطور الاقتصادي في المملكة خلق فرصاً ضخمة للشركات القادرة على مواكبة هذا النمو وتقديم خدمات احترافية بمعايير عالية.
الاستثمار في الكادر البشري وبناء ثقافة مرنة داخل المؤسسة
كيف تنعكس رؤيتكم القيادية على ثقافة العمل داخل الشركات التي تديرونها؟
أنا أؤمن بأن أي شركة ناجحة تبدأ من داخلها، من ثقافة الفريق وطريقة العمل والتعامل مع التحديات. لذلك نركز دائماً على بناء بيئة عمل قائمة على المسؤولية، الثقة، وروح المبادرة.
في السوق السعودي اليوم، المنافسة أصبحت تعتمد بشكل كبير على جودة الكوادر البشرية وسرعة اتخاذ القرار والقدرة على الابتكار، وليس فقط على الإمكانيات المالية أو التشغيلية. ولهذا نعمل باستمرار على تطوير فرق العمل ومنحهم المساحة للمشاركة في الحلول واتخاذ المبادرات.
كما نحرص على أن يشعر كل فرد داخل المؤسسة بأنه جزء من النجاح، لأن ثقافة العمل الإيجابية تنعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة للعملاء.
إلى أي مدى أصبح التصنيع المحلي عاملاً مهماً في تعزيز تنافسية الشركات السعودية؟
التصنيع المحلي اليوم يمثل أحد أهم المحركات الاقتصادية في المملكة، وهناك دعم واضح وكبير لهذا التوجه ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030. الشركات التي تستثمر في التصنيع المحلي أصبحت تمتلك ميزات تنافسية مهمة، سواء من ناحية سرعة التنفيذ أو المرونة أو تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية.
كما أن العملاء في المملكة أصبحوا أكثر ثقة بالمنتج والخدمة المحلية، خاصة عندما تكون بالجودة المطلوبة. وهذا الأمر خلق بيئة إيجابية جداً لنمو المصانع والشركات الوطنية.
نحن نؤمن أن المرحلة القادمة ستشهد توسعاً أكبر في الصناعات والخدمات المساندة، وهناك فرص ضخمة للشركات القادرة على الاستثمار في الجودة والتقنية والكوادر البشرية.
نصائح واعدة لجيل المستقبل في ريادة الأعمال الصناعية والخدمية
كيف تتعاملون مع التغيرات السريعة في متطلبات العملاء والشركات الكبرى؟
السوق السعودي اليوم يتحرك بسرعة كبيرة، ومتطلبات العملاء تتغير بشكل مستمر، خاصة مع التطور الرقمي والتوسع الاقتصادي الذي تشهده المملكة. لذلك أصبح من الضروري أن تكون الشركات أكثر مرونة وقدرة على التكيف.
نحن نركز بشكل كبير على تطوير عملياتنا الداخلية والاستثمار في الأنظمة والتقنيات التي تساعدنا على سرعة التنفيذ والمتابعة وإدارة المشاريع بكفاءة عالية. كما نحرص دائماً على التواصل المباشر مع العملاء لفهم احتياجاتهم الحالية والمستقبلية.
ما يميز السوق السعودي أنه سوق مليء بالفرص، لكنه في الوقت نفسه يتطلب جاهزية عالية واحترافية في التنفيذ، وهذا ما يدفعنا دائماً للتطوير المستمر.
ما رسالتكم لرواد الأعمال الشباب الراغبين بدخول قطاع الخدمات والتصنيع في المملكة؟
المملكة العربية السعودية اليوم تعتبر من أفضل البيئات الاستثمارية في المنطقة، وهناك فرص حقيقية وكبيرة أمام رواد الأعمال في مختلف القطاعات، خاصة في الخدمات، التصنيع، والتقنيات الحديثة.
رسالتي لهم هي أن يركزوا على بناء أعمال حقيقية تقدم قيمة مضافة للسوق، وأن يكون لديهم صبر واستمرارية واستعداد للتعلم والتطوير. السوق السعودي اليوم لا يبحث فقط عن الأفكار، بل عن التنفيذ الاحترافي والقدرة على الاستمرارية.
كما أن رؤية السعودية 2030 فتحت أبواباً واسعة أمام الشباب والشركات الوطنية، وهناك دعم واضح لريادة الأعمال والمحتوى المحلي والتوسع الصناعي. من يستطيع أن يقدم جودة حقيقية ويبني علاقات قائمة على الثقة والالتزام سيكون لديه مستقبل واعد جداً داخل هذا السوق الكبير والمتطور.
في ختام هذا الحوار الثري مع رجل الأعمال الأستاذ عبدالله عابد، يتضح جلياً أن العصر الذهبي للصناعة والخدمات التشغيلية في المملكة العربية السعودية قد بدأ بالفعل، وأن الرهان الحقيقي للشركات الوطنية لم يعد يقتصر على تقديم المنتج فحسب، بل في جودة التنفيذ، وسرعة الاستجابة، وبناء شراكات استراتيجية مستدامة قائمة على الثقة المتبادلة.
تقدم تجربة شركتي SPS وGEPCOM نموذجاً ملهماً لكيفية تحويل التحديات التشغيلية إلى فرص نمو واعدة، وتؤكد أن الكفاءات السعودية الشابة قادرة على قيادة دفتي التصنيع والابتكار بما يتوافق مع أعلى المعايير العالمية. تتوجه منصة أخبار أومنيس بالشكر الجزيل للأستاذ عبدالله عابد على وقته وأفكاره الملهمة، متمنين له ولشركاته مزيداً من التقدم والنجاح في مسيرتهم لخدمة الاقتصاد الوطني.
المصدر: أخبار أومنيس
