عالم التأثير

مواقع التواصل “باباراتزي” جديد لا يستهدف المشاهير فقط

لا يتخطى الأمر بضع ثوان لالتقاط صورة أو بدء تصوير مقطع فيديو، وخلال لحظات تكون الظروف مهيأة لعملية نشر على نطاق يبدأ ضيقاً ثم يصل إلى عالم أرحب، لا يملك فيه ملتقط الصورة أو الفيديو قرار حذف ما نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، فهو إن فعل فالمادة نفسها من صور وفيديوهات تصبح متداولة شاء صاحبها أم أبى.

في عالم الفضاء الرقمي تداعب عملية النقر على زر الإعجاب والمشاركة والتعليقات مخيلة أصحاب الحسابات، فيتبارون في حصد كثير منها على أمل أن تزداد قوائم متابعتهم بالآلاف، وكلما كانت المادة المنشورة أكثر غرابة أو تحمل الدهشة والتعليق المرفق معها يحمل نقداً لاذعاً، أو كلمات براقة وربما خداعة، كلما ضُمن انتشارها.

الصورة إذ تؤذي

وتلعب الصورة دوراً كبيراً في عالم مواقع التواصل الاجتماعي وكذلك تفعل الفيديوهات، ولا يحتاج الأمر إلى شرح أو سرد طويل ممل، فاللحظات المصورة تغني عن كل ذلك.

وما بين صغير وكبير وفقير وغني يحرص كثيرون على مشاركة الفيديوهات والصور عبر منصات مختلفة تضمن لصاحبها شهرة أو ربحاً، لكنها على الجهة الأخرى قد تؤذي أطرافاً من دون قصد أو بقصد.

مقطع فيديو صغير جرى نشره لفتاة ترقص في عرس بمصر وهي ترتدي فستاناً أزرق اللون، فصار اسمها على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية التي التقطت المادة بحكم انتشارها “صاحبة الفستان الأزرق”، وتناولت مواقع التواصل الاجتماعي الفيديو ما بين ذم ومدح واستهجان ودفاع وتحرش لفظي ورفض للوصاية المجتمعية واتهام بقلة الحياء وآخر بالجهل، فكأنها معركة ما بين طرفين على فستان ورقصة.

الكاميرا في مواجهة الكل

وتحول بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى “باباراتزي” العصر الجديد الذين يطاردون المشاهير ويحرصون على تسجيل كل موقف ولحظة وينشرونها، فباتوا كابوساً كبيراً لفنانين كثر حول العالم.

لكن الأشخاص غير المشهورين باتوا أيضاً مطاردين من “باباراتزي” هذا العصر، فقد يكون أحدهم في موقف عادي بأحد الشوارع أو الأماكن المغلقة، ثم يتحول إلى “ترند” بصورة أو مقطع فيديو، وفي تلك الحال قد يعجبه الأمر أو لا يعجبه.

هذه الظاهرة دفعت بعضهم إلى انتقادها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما يكون الأمر محرجاً، مثل تدوينة لعبدالله صلاح على “تويتر” قال فيها “أكون عائداً من عملي ومرهقاً وأحدهم يلتقط لي صورة ويتحدث فيها عن الكد والسعي، هذا أمر سخيف”.

وعادة ما تناصر فتيات ونساء على مواقع التواصل الاجتماعي غيرهن إذا ما تعرضن لتحرش لفظي أو غيره، أو وقعن في مشكلة مشابهة لما حدث مع ياسمين صاحبة الفستان الأزرق، لكن في تلك الواقعة كان لافتاً أن تحليل بعضهن ذهب إلى تحليل الرقصة نفسها باعتبارها مخلة، وهو وصف استاء منه كثيرون باعتبار أن الرقص لا ضوابط له ولا كتيب إرشادات، فيما دافعت أخريات عن موقفها واعتبرن أن الهجوم عليها لا مبرر له.

تلك المقاطع المصورة تؤذي أحياناً أبطالها، كما حدث مع ياسمين التي قالت في مداخلة تلفزيونية إنها لا تسامح من نشر الفيديو ومن خاضوا في عرضها بالباطل للدرجة التي منعتها من نزول الشارع في بعض الأوقات، والتفكير في عدم الذهاب إلى جامعتها لتأدية الامتحانات، إذ إنها طالبة في الفرقة النهائية بكلية الآداب بجامعة المنصورة “وكان هناك من يسخر ويتنمر عليّ في الجامعة نفسها”.

وفي الأعراس المصرية يكون الرقص من قبيل المحبة والفرحة، سواء للزوج أو الزوجة، ولا يكاد يخلو منها عرس، لتقول ياسمين إن “الناس كلهم يفرحون ويرقصون، ولا أحد يتخيل الألم الذي تحملته وتتحمله والدتي معي، ولا أحد يعرف ما الذي يفعله مدونو العبارات المسيئة خلف شاشات هواتفهم”، معتبرة أنها كانت في عرس واحدة من الأقارب، متمنية لناشر الفيديو أن يذوق الألم الذي مرت به.

تأويل ومشاركات

كلام الشابة الجامعية يضيف بعداً آخر لأزمة نشر الصور أو الفيديوهات من قبل بعضهم، وهي أنها تدخل في مساحات التأويل والنشر من دون علم، فقد سبق ودوّن بعضهم عبارات حول أنها طلقت من زوجها ولفظتها أسرتها، وهي أمور غير حقيقية كما تصف، فهي لم تتزوج بعد، كما أن أسرتها داعمة لها في ما حدث، وتأثرت بما تأثرت به.

ولا يتوقف الفيديو الملتقط بشكل عام عند شخص يضيف بعضهم له عبارات تجذب المتابعين ويدون بعض تصوراته الشخصية، وإن انطوت على اتهام لبطل الصورة أو الفيديو، ولا يمكن بعدها حصر عدد من شاركوا الصورة أو المقطع المصور، ففي قصة ياسمين على سبيل المثال، فإن المحامي أمير متولي المحامي بالنقض الذي يتولى الدفاع عن ياسمين وقام بتقديم بلاغات لها إلى النائب العام المصري، توصل بحسب حديثه لـ “اندبندنت عربية” إلى أن نشر الفيديو كان مأخوذاً من فيديو قاعة الأفراح التي كانت فيها ياسمين، ثم اجتزئت بعض مشاهده من قبل بعضهم وقاموا بترويجها، ونشرته الصفحة الخاصة بقاعة الأفراح بعد ذلك، مما دفع من كان حاضراً للبحث في هاتفه عن مواد تضم صورة ياسمين أو فيديو لها، لنشره أيضاً.

وقائع أخرى

قصة ياسمين تعيد التذكير بالوقائع السابقة التي أحدثت جلبة ونقاشاً واسعاً حول نشر المواد المصورة، وبمجرد النشر على تطبيق واحد مثل “فيسبوك” فإن آخرين يضعون المحتوى على تطبيقات أخرى مثل “تويتر و”إنستغرام و”تيك توك” وغيرها بشكل يصعب معه حصر عدد الناشرين والوصول إليهم بهدف حذف المادة المنشورة، صورة كانت أو مقطع فيديو.

في نهاية عام 2021 جرى تداول مقطع فيديو لمعلمة لغة عربية ترقص في إحدى الرحلات، وتمت مشاركته بصورة كبيرة إلى الحد الذي دفع زوج تلك المعلمة إلى طلاقها، لتقول بعد ذلك أن حياتها انقلبت رأساً على عقب، وقاطعتها أسرتها بسبب نشر ذلك الفيديو، ولم تعين بالوظيفة التي كانت ترغب فيها، إذ كانت تعمل من دون أجر.

وكانت الرحلة تضم معلمين وأسرهم من دون طلاب، لكنها واجهت نقداً لاذعاً على مواقع التواصل الاجتماعي دمر حياتها، كما نقلت عنها مواقع وصحف محلية مصرية.

الإرهاب الجديد

يقول استشاري الصحة النفسية وليد الهندي إن شخصيات تجسسية وفضولية ومواقع تواصل اجتماعي غذت ذلك الشعور، إضافة إلى أنها أعطت مساحة لفرض رأي الشخص وثقافته وتكوينه على آخرين لا علاقة له بهم وتفرض عليهم وصاية، فنجد تجريماً لسلوك وانتقاد لآخر “وهي واحدة من آثار مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا يزيد الرهاب الاجتماعي بحضور بعض الفعاليات خشية أن يقع الشخص ضحية لمصور”.

وحول تفسيره لتلك الظاهرة يرى الهندي أن بعضهم لديه هوس الشهرة، وبالتالي فقد يقدم محتوى يمنحه ذلك ويلفت له الأنظار حتى لو كان على حساب نفسه، وهي دلالة على ضعف ثقة الشخص في نفسه وضعف التربية لدى بعض الأسر التي تقوم على مسألة الخصوصية، وبالتالي نجد مشاهد مثلاً لمشاجرات أو مشكلات كان يمكن لها أن تحل لو تدخل بعضهم، لكن هوس التصوير يدفع كثيرين إلى التصوير “وهذا شكل جديد من الإرهاب”.

وتتذكر إيمان عادل في عرسها منذ 10 أعوام بمحافظة بني سويف جنوب مصر حين زارتها صديقات لها وكن يرقصن في العرس، وإذا بثلاثة يقومون بالتصوير بهواتفهم لتتنبه إلى الأمر وتقوم وهي ترتدي فستان زفافها وتوقف الموسيقى والغناء، وتجلب هواتف الذين كانوا يقومون بالتصوير وتحذف الفيديوهات المصورة، “كنت أعرف كيف سيستخدمون تلك الفيديوهات ونبهت على الجميع ألا يصورا شيئاً، ثم عاد العرس للموسيقى والغناء والرقص من جديد”.

ماذا يقول القانون؟

وحول ذلك الأمر يقول محامي النقض تامر أمين إن التصوير من دون موافقة شخص يكون جريمة في الأماكن الخاصة ولا يشكل جريمة في المكان العام، إذ قد يصور الشخص ميداناً أو معلماً ويظهر فيه أشخاص بشكل عرضي، لكن التصوير الذي يُعاقب عليه هو ما يتم خلسة أو في مكان خاص، “لكن الميادين والأندية والشوارع والحدائق العامة لا مشكلة في تصويرها ما لم تكن بسوء نية”. 

وتنص المادة (309) مكرر من قانون العقوبات المصري على أنه “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على عام كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن، وذلك بأن ارتكب أحد الأفعال الآتية في غير الأحوال المصرح بها قانوناً أو بغير رضا المجني عليه”.

والأمور التي نصت عليها المادة تبدأ باستراق السمع أو التسجيل أو النقل من طريق جهاز من الأجهزة أياً كان نوعه، محادثات جرت في مكان خاص أو من طريق التليفون، وكذلك كل من التقط أو نقل بجهاز من الأجهزة أياً كان نوعه صورة شخص في مكان خاص، فإذا صدرت الأفعال المشار إليها في الفقرتين السابقتين أثناء اجتماع على مسمع أو مرأى من الحاضرين في ذلك الاجتماع فإن رضا هؤلاء يكون مفترضاً، وفي جميع الأحوال يحكم بمصادرة الأجهزة وغيرها مما يكون قد استخدم في الجريمة، كما تحكم بمحو التسجيلات المتحصلة عنها أو إعدامها.

محامي النقض أمير متولي أوضح تفاصيل أخرى لـ “اندبندنت عربية” حول أن التصوير في مكان خاص يعاقب عليه القانون، أما إذا كان في مكان عام فلا مشكلة قانونية على المصور، لكنه يلفت إلى أن نشر تلك المواد هو ما يعاقب عليه القانون إذا جرى من دون استئذان بطلها، وفي تلك الحال قد يعاقب الشخص بقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

ويضرب المحامي المصري مثلاً بفيديو ياسمين، فهي كانت في عرس وتعلم مسبقاً أن هناك كاميرا تصور، لكن تلك النسخة تذهب للعروسين فقط، وبالتالي فإن نشر الفيديو هو الجريمة لا التصوير، كما أن من بحث في هاتفه عن فيديو لها ثم نشره بعد ذلك يعاقب أيضاً لإساءة استخدام الإنترنت.

وفي الفصل الثالث من قانون جرائم تقنية المعلومات باب مخصص للجرائم المتعلقة بالاعتداء على حرمة الحياة الشخصية والمحتوى المعلوماتي غير المشروع، وتنص المادة (25) على الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، “كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو نشر من طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخباراً أو صوراً وما في حكمها، تنتهك خصوصية أي شخص من دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة”.

المصدر: اندبندنت عربية

مقترحات