انتشرت فى الآونة الأخيرة أخبار تكرار ظهور «مذيعة» مدادها تقنية الذكاء الاصطناعى، وتكنولوجيا تحاكى قدرات «المذيع» الإنسان الذهنية. تلك الأخبار جاءت مصحوبة بتوقعات أن تكون السيطرة مستقبلا بالمجال الإعلامى للمذيع الافتراضى، مما يرجح الاستغناء تدريجيا عن نظيره «الإنسانى».
وقد قدمت الصين فى عام ٢٠١٨، لأول مرة مذيع الأخبار القائم على الذكاء الاصطناعى. وطورت «بكين» التجربة خلال الأعوام التالية، وكان آخر انجازات هذه الجهود المذيعة الافتراضية المسماة «رين شياورونج « القادرة على تقديم نشرات الأخبار فى أى وقت على مدار اليوم وطوال العام. « رين» الرقيقة قدمت نفسها عبر حساب أحد أضخم شبكات التواصل الاجتماعى فى الصين «ويبو»، وكشف لقاؤها الأول بالجمهور أنها تنتمى إلى صحيفة «الشعب» الناطقة باسم «الحزب الشيوعى الصينى». ولكن تصريحاتها وإجاباتها كانت شديدة التحديد.
ومثل الصين، اتخذت روسيا وكوريا الجنوبية وفنزويلا خطوات واضحة نحو تجربة مذيعات «الذكاء الاصطناعى». كما بدأت البلدان العربية تواكب هذه التقنية الحديثة. ففى أبريل الماضى، ظهرت المذيعة «ابتكار» على صعيد قطر، وحاورت الدكتور طالب الأشقر، الباحث بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والمتخصص فى مجال الذكاء الاصطناعى.
أبريل أيضا شهد ظهور مذيعة الذكاء الاصطناعى الكويتية «فضة» التى كان لقاؤها الأول مع الجمهور عبر صفحة «تويتر» الخاصة بالصحيفة الإلكترونية «كويت نيوز». فى ظهورها الأول، سألت « فضة» مشاهديها عن نوعية الأخبار التى يفضلون متابعتها. ومازالت «فضة»، التى ظهرت بشعر أشقر وملابس رسمية لتحظى بتفاعل كبير سواء من جانب الإعلاميين المتخصصين أو المتابعين، فى طور التجربة والتطوير، مع ترجيحات بأنها مستقبلا ستقابل جمهورها وهى تتحدث لهجة كويتية سليمة وواضحة.
وقبل التطور المنتظر لـ «فضة» وشقيقاتها، كان التوجه لسؤال المتخصصين فى مجال الإعلام حول مستقبل مذيعات «الذكاء الاصطناعى» ومزايا وعيوب التكنولوجيا القائمة وراءهن.
وجهة نظر دكتور محمد النشار، عميد كلية اللغة والإعلام بالأكاديمية العربية للعلوم والنقل البحرى تقول: «رغم التقدم العلمى، وضرورة الاستفادة منه، لا يمكن إغفال الجانب الإنسانى فى أى مهنة، سواء كانت الإذاعة أو الصحافة أو الطب. فالتفاعل مهم جدا بين المذيع والمشاهد».
ويضيف: « على المستوى اللفظى، لكل مذيع طريقته فى توصيل المعلومة سواء بالألفاظ التى يستخدمها، أو طريقة التحاور السريعة مع الضيف، خاصة فى البرامج المصنفة ضمن فئة الـ (توك شو). أما المستوى الثانى فهو غير اللفظى والمتعلق باستخدام تعبيرات الوجه واليدين، التى توحى بالسعادة أو الحزن فى تفاعل مع الأحداث والأخبار. كل هذه الأسباب تكون مقياس نجاح المذيع أو المذيعة ونجاح برنامجه وتؤكد مدى شعبيته».
ويوضح الدكتور النشار أن هذه التوليفة لا يمكن لأى مذيع بالذكاء الاصطناعى أن يحققها. وحول مستقبل، وإمكانية قيام منظومة إعلام متكاملة على أساس «الذكاء الاصطناعى»، أكد أن قرار الاختيار يعود لمعد البرنامج، فهو وحده الذى يقرر الموضوعات بالاتفاق مع المذيع. كما أن هناك فريق عمل بشرياً وراء الكاميرا يحدد تفاصيل البرنامج سواء الدقائق أو الفواصل أو توقيت المداخلات إن وجدت. ويلخص: «لذا سيظل الذكاء الاصطناعى أداة فقط لتلقى الأوامر.فدوره حاليا يقتصر على تقديم مواد إعلامية مثل نشرات الطقس والأخبار وغيرها من المواد التى تتطلب تفاعلا مع الجمهور».
أما فادى رمزى، خبير الإعلام والمحاضر فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة، فيوضح أن المذيعة الافتراضية تعتبر أداة وعاملا مساعداً، ويضيف: «لا تزال تستمد مصادر معلوماتها من «الانترنت»، فإذا تطلب الأمر تحليلات معينة لأى موضوع، لا يمكن للمذيعة الإجابة، لأنها لا تملك الرؤية أو الخبرة. كما أنها مازالت لا تستطيع التحاور مع شخصية بعينها. ولكن هناك محاولات تجرى حاليا لإدخال برنامج به ملامح الشخصية، وعلى ضوئه يمكن للمذيعة التحاور مع ضيوفها. أما تحليل الأحداث أو المباريات الرياضية أو تطور الأحداث، فذلك سيحتاج مدخلات معينة لمباريات وأحداث سابقة، ولكن ليس تفاعلا مباشرا مع الحدث الحاضر».
ويرى أنه على المدى القصير لن تستطيع المذيعة الافتراضية أن تحل مكان الإنسان البشرى،ويقول: «لا نعرف ماذا يخبئ لنا المستقبل العلمى، لأنه من الممكن خلال فترة وجيزة أن تتكون منظومة كاملة من فريق العمل والإعداد». ولا ينفى وجود مميزات للمذيعة الافتراضية، فالتكلفة قليلة، كما أنه من الممكن أن تستمر٢٤ ساعة عمل دون كلل.
أما هبة حلمى، المحاضرة بكلية الإعلام بجامعة الأهرام الكندية، فترى أنه من المفترض أن تكون هناك ضوابط مهنية وأخلاقية وقانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعى فى الإعلام، لضمان المصداقية والدقة.وتشير إلى واقعة جرت مؤخرا فى الصين، وتحديدا فى أواخر شهر مارس الماضى. وكان ذلك من خلال نشر شريطين مصورين عبر منصات التواصل الاجتماعى، حيث ظهر مذيعان دون ذكر أنهما يعملان بتقنية الذكاء الاصطناعى، وقدما أخبارا يغلب عليها الانحياز السياسى. وجاء ظهورهما مصحوبا بشعار لقناة وهمية تسمى «وولف نيوز». وتؤكد أن هذه الواقعة يمكن أن تتكرر، خاصة مع استعداد دوائر الإعلام الهندية لإجراء لقاء حوارى بين مذيعة أخبار افتراضية، ورئيس الوزراء ناريندرا مودى، مما يثير المخاوف من استغلال «الذكاء الاصطناعى» فى نشر رسائل سياسية موجهة.
ولذلك تؤيد مطالبة الباحثين فى مجال التكنولوجيا بوضع قواعد ثابتة للحد من الآثار السلبية لأنظمة الذكاء الاصطناعى والتهديدات المحتملة. وبالفعل، يعمل القانونيون حاليا بالاتحاد الأوروبى على إرساء أول قانون يستهدف تزويد مطورى الذكاء الاصطناعى بمتطلبات والتزامات واضحة فيما يتعلق باستخدام هذه التقنية المرجح تطورها أكثر فأكثر مستقبلا.
المصدر: الاهرام
