عالم التأثير

كيف غيّر المؤثرون مفهوم القدوة لدى الشباب الجزائري؟

أبرز الدكتور فوزي بن دريدي الخبير في علم الاجتماع، أن المجتمعات عبر مختلف دول العالم شهدت تغيرات عميقة بفعل التحولات التكنولوجية الرقمية التي غزت مختلف نواحي الحياة اليومية، غير أن مجتمعات العالم الثالث، وبالأخص المجتمعات القريبة جغرافيًا وثقافيًا من أوروبا وأمريكا، كانت الأكثر تأثرًا بهذه التحولات، هذه المجتمعات غالبًا ما تفاعلت مع التكنولوجيا الجديدة وقيمها المُصاحبة بشكل سريع ودون إخضاعها لتحليل نقدي أو دراسة عميقة، ما أدى إلى تغيرات جذرية في البنى الاجتماعية التقليدية، حيث انتقلت من نمط العلاقات الاجتماعية المبنية على القيم الأصيلة إلى بنيات جديدة متأثرة بالقيم المستوردة، والتي تشكلت وفقًا للسياقات الثقافية للدول التي أنتجت هذه التقنيات.

في السياق ذاته، أفاد الدكتور بن دريدي، بأن الجزائر، التي تتميز ببنية اجتماعية وثقافية تقليدية راسخة، انعكست فيها هذه التحولات بشكل واضح على الأجيال الجديدة، وخاصة لدى فئة الشباب، حيث يُعتبر هذا الجيل الأكثر اندماجًا مع التكنولوجيا الرقمية، بعد أن أصبحت هذه الأخيرة جزءًا لا يتجزأ من حياته اليومية، ومع ذلك، فإن هذه التقنيات ليست مجرد أدوات محايدة تُستخدم لتسهيل الحياة، بل هي منظومات حاملة لقيم وسلوكيات اجتماعية وثقافية جديدة، ومن أحد أبرز مظاهر هذا التحول هو بروز “المؤثرين الرقميين”، الذين تمكنوا من جذب ملايين المتابعين، معظمهم من الشباب.

وأردف قائلا: “إن تأثير المؤثرين الرقميين على الشباب الجزائري كبير جدًا، حيث أصبح هؤلاء يشكلون نماذج قدوة جديدة، على عكس الماضي، حينما كانت القدوة تتمثل في الشخصيات المثقفة مثل المعلمين والأساتذة والعلماء، حيث أصبح الشباب الآن يميل إلى تقليد المؤثرين الذين قد لا يمتلكون خلفيات علمية أو ثقافية تؤهلهم لتوجيه الآخرين، هذا التغير في مفهوم القدوة يشكل خطرًا كبيرًا على البنية القيمية للمجتمع، حيث أن العديد من القيم التي يروج لها بعض المؤثرين تتناقض مع القيم الأصيلة للمجتمع الجزائري، ولعل من بين القيم التي أصبحت أكثر شيوعًا هي فكرة تحقيق الربح السريع والاعتماد على أساليب بسيطة وسطحية لجذب الانتباه، هذه القيم، التي قد تبدو جذابة للشباب في البداية، تحمل في طياتها مخاطر كبيرة لأنها تروج لسلوكيات قد تتعارض مع الأخلاقيات والقيم المرجعية للمجتمع”.

المشكلة لا تكمن فقط في تأثير المؤثرين، بل أيضًا في غياب آليات فعالة للتعامل مع هذه التحولات داخل الأسرة والمؤسسات التربوية، فالتنشئة الاجتماعية، سواء في المنزل أو في المدرسة، لم تتمكن من مجاراة التغيرات السريعة التي أحدثتها التكنولوجيا، هذا القصور جعل الشباب أكثر عرضة للتأثر بالخطابات البسيطة والسريعة التي يقدمها المؤثرون، هؤلاء المؤثرون ينجحون في جذب الشباب لأنهم يستخدمون لغة قريبة من واقعهم ويعبرون عن تطلعاتهم واحتياجاتهم بشكل مباشر، يوضح الخبير في علم الاجتماع.

على المستوى الثقافي والاجتماعي، يرى محدثنا أن هذا التحول يعكس صراعًا بين القيم التقليدية التي تشكل هوية المجتمع الجزائري وبين القيم الجديدة التي تروج لها التكنولوجيا الرقمية، هذا الصراع يُظهر التحديات التي تواجه المجتمعات التقليدية في التعامل مع التحولات التكنولوجية، فالتحولات في القيم ليست أمرًا جديدًا في تاريخ المجتمعات، ولكن التحدي يكمن في توجيه هذه التحولات بحيث تكون متوافقة مع الهوية الثقافية للمجتمع.

إلى جانب ذلك، أشار الدكتور بن دريدي إلى أن المؤثرين الرقميين، في كثير من الأحيان، يعبرون عن احتياجات وأحلام جيل الشباب، التي تختلف بشكل كبير عن تطلعات الأجيال السابقة، فالشباب اليوم يبحث عن فرص تعبر عن حريته وتطلعاته المستقبلية، لكن هذه التطلعات أحيانًا قد تصطدم بالواقع الاجتماعي والثقافي الذي ينتمي إليه، والمحتوى الذي يقدمه المؤثرون غالبًا ما يعكس هذه التناقضات، حيث يكون في بعض الأحيان تعبيرًا عن الإحباط والرغبة في التغيير.

وفي هذا الشأن، يؤكّد على ضرورة اتخاذ خطوات جدية لفهم تطلعات الشباب واحتياجاتهم الحقيقية، فلا يمكن معالجة هذا الواقع إلا من خلال دراسات اجتماعية ونفسية عميقة تستهدف التعرف على آمال الشباب وتوجهاتهم، مما يتيح وضع سياسات قادرة على تلبية هذه الاحتياجات دون التفريط في الهوية الثقافية، المؤسسات التربوية والثقافية أيضا يجب أن تلعب دورًا أكبر في توجيه الشباب نحو استخدام إيجابي للتكنولوجيا، كذلك، يجب أن تتبنى الأسر دورًا أكثر وعيًا في متابعة أبنائها وتوجيههم نحو اختيار القدوات المناسبة.

خِتاماً، أفاد الخبير في علم الاجتماع، الدكتور فوزي بن دريدي، بأن التحولات التكنولوجية ليست مجرد تطور طبيعي للمجتمعات، بل هي تحدٍ حقيقي يتطلب مقاربات مدروسة ومخططة، فإذا كان من الطبيعي أن تتغير القيم مع تطور التكنولوجيا، فمن الضروري أيضًا أن تكون هذه القيم الجديدة متوافقة مع الهوية الثقافية للمجتمع، حتى لا تتحول إلى تهديد حقيقي لبنيته الاجتماعية.

المصدر: الأيام New

 

 

 

مقترحات